سيد محمد طنطاوي
413
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم يقف على باب المدينة شاهرا سيفه ، ثم يمنع أباه من دخولها حتى يأذن له الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بدخولها ، وحتى يقول : إن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم هو العزيز ، وأنه هو - أي عبد اللَّه ابن أبي - هو الذليل . وهكذا تعطينا هذه الآيات وأحداثها ما تعطينا من عبر وعظات . . ثم تختتم السورة الكريمة بنداء توجهه إلى المؤمنين ، تأمرهم فيه بالمواظبة على طاعة اللَّه - تعالى - وتنهاهم عن أن يشغلهم عن ذلك شاغل ، وتحضهم على الإنفاق في سبيل إعلاء كلمته - سبحانه - ، وعلى تقديم العمل الصالح الذي ينفعهم قبل فوات الأوان ، قال - تعالى - : [ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 9 إلى 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّه ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 9 ) وأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 10 ) ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّه نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها واللَّه خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 11 ) والمقصود من هذه الآيات الكريمة نهى المؤمنين عن التشبه بالمنافقين الذين سبق الحديث عنهم بصورة مفصلة ، وحضهم على الاستجابة لما كلفهم اللَّه - تعالى - به . أي : يا من آمنتم باللَّه - تعالى - إيمانا حقا ، * ( لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّه . . . ) * أي : لا تشغلكم أموالكم التي تهتمون بجمعها وتحصيلها . . ولا أولادكم الذين هم أشهى ثمرات حياتكم . . لا يشغلكم ذلك عن أداء ما كلفكم - سبحانه - بأدائه من طاعات ، فالمراد بذكر اللَّه ، ما يشمل جميع التكاليف من صلاة وزكاة وصيام وحج ، وغير ذلك من الطاعات التي أمر اللَّه - تعالى - بها . وخص الأموال والأولاد بتوجه النهى عن الاشتغال بهما اشتغالا يلهى عن ذكر اللَّه ، لأنهما أكثر الأشياء التي تلهى عن طاعة اللَّه - تعالى - . .